الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
58
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قال تعالى : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ [ المعارج : 8 ] . والتشبيه في سواد اللون وشدة الحرارة فلا يزيدهم إلا حرارة ، ولذلك عقب بقوله : يَشْوِي الْوُجُوهَ وهو استئناف ابتدائي . والوجه أشد الأعضاء تألما من حر النار قال تعالى : تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ [ المؤمنون : 104 ] . وجملة بِئْسَ الشَّرابُ مستأنفة ابتدائية أيضا لتشنيع ذلك الماء مشروبا كما شنع مغتسلا . وفي عكسه الماء الممدوح في قوله تعالى : هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [ ص : 42 ] . والمخصوص بذم بِئْسَ محذوف دل عليه ما قبله . والتقدير : بئس الشراب ذلك الماء . وجملة وَساءَتْ مُرْتَفَقاً معطوفة على جملة يَشْوِي الْوُجُوهَ ، فهي مستأنفة أيضا لإنشاء ذم تلك النار بما فيها . والمرتفق : محل الارتفاق ، وهو اسم مكان مشتق من اسم جامد إذ اشتق من المرفق وهو مجمع العضد والذراع . سمي مرفقا لأن الإنسان يحصل به الرفق إذا أصابه إعياء فيتكئ عليه . فلما سمي به العضو تنوسي اشتقاقه وصار كالجامد ، ثم اشتق منه المرتفق . فالمرتفق هو المتكأ ، وتقدم في سورة يوسف . وشأن المرتفق أن يكون مكان استراحة ، فإطلاق ذلك على النار تهكم ، كما أطلق على ما يزاد به عذابهم لفظ الإغاثة ، وكما أطلق لي مكانهم السرادق . وفعل ( ساء ) يستعمل استعمال ( بئس ) فيعمل عمل ( بئس ) ، فقوله : مُرْتَفَقاً تمييز . والمخصوص بالذم محذوف كما تقدم في قوله : بِئْسَ الشَّرابُ . [ 30 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 30 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ( 30 ) جملة مستأنفة استئنافا بيانيا مراعى فيه حال السامعين من المؤمنين ، فإنهم حين يسمعون ما أعد للمشركين تتشوف نفوسهم إلى معرفة ما أعد للذين آمنوا ونبذوا الشرك فأعلموا أن عملهم مرعي عند ربهم . وجريا على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد